دعاء الايمان
06-09-2008, 11:15 PM
أبو العتاهية
إسماعيل بن القاسم بن سويد **
كانت ولادته
في عين التمر وهي
قرية قرب الأنبار غربي الكوفة
سنة ثلاثين ومائه للهجرة
وانتقل مع أبيه صغيرا إلى الكوفة
وكانت الكوفة مدينة العلماء والمحدثين والعباد والزهاد
وقد عاصر فيها الشاعر
أمثال
علقمة بن قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد
والربيع بن خيثم وأويس القرني والنخعي والشعبي وسفيان الثوري
وشريك القاضي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والكسائي والفراء
ومع اتساع الكوفة وانتشار الرخاء
نشأت فيها طوائف من المُجَّان يقولون الشعر
متنقلين على معاهد اللهو، وموغلين في حمأة المفاسد
يفسقون ويتهتكون ويتزندقون وينعتون أنفسهم بالظرف
وأنهم حلية الأرض ونقش الزمان.
في هذه البيئة نشأ أبو العتاهية
وكان يخالط هؤلاء الشعراء المجان
ويختلف إلى حلقات العلماء ومجالس العباد
وقد كان فقيرا فكان يعمل مع أبيه في بيع الفخار بالكوفة
وقال الشعر وبرع فيه وهو حدث، وظهر نبوغه في وقت مبكر.
ثم بعد ذلك
وفد أبو العتاهية إلى بغداد
في خلافة المهدي
(158- 169)
في نحو الثلاثين من عمره
وكانت بغداد
قد أخذت في الازدهار فانتقل النشاط العلمي
من الكوفة والبصرة إليها
بعد أن أصبحت دار الخلافة ودار الإسلام
وكان أبو العتاهية حين وصل إلى بغداد
يجتهد في الوصول إلى قصر الخلافة،
فأقبل يمدح المهدي، ويفكر في الوسائل التي تدنيه منه
هذا أول أمره
ثم أنه تاب وعاد إلى ربه عز وجل
أما سبب توبته رحمه الله
من مصاحبة المجان وقرض الشعر
في الغزل والهجاء والمديح
وقصر شعره على الزهد والحكمة
ما روي عن أبي سلمة الغنوي أنه سأل أبا العتاهية
"ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟".
فأجابه
"إذن والله أخبرك
إني لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي أهدت لي الصد والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي فكان هجرانها مكافاتي
هيَّمني حبها وصيرني أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام في تلك الليلة
كأن آتيا أتاني فقال
"ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم علينا بالمعصية إلا الله تعالى؟"
فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل
والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات
والمؤمن واه راقع
وإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِ بإحسانٍ وأنت حميدُ
ومن أعظم وأعجب قصائده الزهديه
المليئة بالحكمة
هذه القصيده
قطعت منك حبائل الآمال و حططت عن ظهر المطي رحالِ
ويئست ان أبقى لشي نلت فيك يادنيا وأن يبقى لي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي و أرحت من حلي ومن ترحالِ
ولئن يئست لرب برقة خلبٍ برقت لذي طمع وبرقة آلِ
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي وبنات ودك يعتلجن ببالِ
الآن يا دنيا عرفتك فاذهبي يا دار كل تشتت وزوالِ
و الآن صار لي الزمان مؤدبا فغدا علي وراح بالأمثالِ
و الآن أبصرت السبيل إلى الهدى و تفرغت هممي عن الأشغالِ
لقد أقام لي المشيب نعاته يفضي إلي بمفرق وقذالِ
ولقد رأيت الموت يبرق سيفه بيد المنيةِ حيث كنتُ حيالي
ولقد رأيت عرى الحياة تخرمت ولقد تصدى الوارثون لمالي
ولقد رأيت على الفناء أدلةً فيما تنكر من تصرف حالي
وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادثٍ يجرين بالأرزاق والآجالِ
و إذا تناسبت الرجال فما أرى نسبا يقاس بصالح الأعمال
و إذا بحثت عن التقي وجدته رجل يصدق قولـه بفعال
و إذا اتقى الله امرؤ وأطاعه فيداه بين مكارم ومعالي
و على التقي إذا ترسخ في التقى تاجان تاج سكينة وجلال
و الـلـيــل يـذهــب و الـنـهــار تعاوراً بـالـخـلــق فـــي الأدبـــار و الإقبالِ
و بـحـسـب مـن تـنـعــى إلـيــه نفسه مــنــه بــأيــام خــلـــت وليالِ
اضـرب بـطـرفـك حـيـث شـئــت فأنت فــي عــبــر لــهــن تـــدرك وتوالِ
يـبـلـى الـحـديـد وأنــت فــي تجديده و جـمـيــع مــا جــددت مـنــه فبالِ
يا أيها البطر الذي هو في غد في قبره متفرق الأوصال
حذف المنى عنه المشمر في الهدى و أرى مُناك طويلة الأذيال
و لقلما تلقى أغر بنفسه من لاعب قرح بها مختال
يا تاجر الغي المضر نفسه حتى متى بالغي أنت تغالي
الحمد لله الحميد بمنه خسرت ولم تربح يد البطال
ثم أخذ في وصف يوم القيامة
لله يوم تقشعر جلودهم وتشيب منه ذوائب الأطفالِ
يوم النوازل والزلازل والحوامل فيه إذ يقذفن بالأحمالِ
يوم التغابن والتباين والتنازل والأمور عظيمةِ الأهوالِ
يوم ينادى فيه كل مضلل بمقطعات النار والأغلالِ
للمتقين هناك نزل كرامةٍ علت الوجوه بنضرةٍ وجمالِ
زمرٌ أضأت للحساب وجوهها فلها بريق ندها وتلالي
وسوابق غر محجلةٌ جرت خمص البطون خفيفة الأثقالِ
من كل أثعث كان أغبر ناحلاً خلقَ الرداءِ مرقع السربالِ
حيل ابن آدم في الأمور كثيرة و الموت يقطع حيلة المحتال
نزلوا بأكرم سيد فأظلهم في دار مُلك جلالةٍ وظِلالِ
و من النعاة إلى ابن آدم نفسه حرك الخطى وطلوع كل هلال
مالي أراك لحر وجهك مخلقا أخلقت يا دنيا وجوه رجال
قست السؤال فكان أعظم قيمة من كل عارفة أتت بسؤال
كن بالسؤال أشد عقد ضنانة ممن يضن عليك بالأموال
و صن المحامد ما استطعت فإنها في الوزن ترجح بذل كل نوال
ولقد عجبت من المثمر ما له نسي المثمر زينة الإقلال
وإذا امرؤ لبس الشكوك بعزمه سلك الطريق على عقود ضلالِ
وإذا ادعت خدع الحوادث قسوةً شهدت لهن مصارعُ الأبطالِ
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا فأبدله للمتكرم المفضال
و إذا خشيت تعذرا في بلدة فاشدد يديك بعاجل الترحال
و اصبر على غِيَر الزمان فإنما فرج الشدائد مثل حل عقال
إسماعيل بن القاسم بن سويد **
كانت ولادته
في عين التمر وهي
قرية قرب الأنبار غربي الكوفة
سنة ثلاثين ومائه للهجرة
وانتقل مع أبيه صغيرا إلى الكوفة
وكانت الكوفة مدينة العلماء والمحدثين والعباد والزهاد
وقد عاصر فيها الشاعر
أمثال
علقمة بن قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد
والربيع بن خيثم وأويس القرني والنخعي والشعبي وسفيان الثوري
وشريك القاضي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والكسائي والفراء
ومع اتساع الكوفة وانتشار الرخاء
نشأت فيها طوائف من المُجَّان يقولون الشعر
متنقلين على معاهد اللهو، وموغلين في حمأة المفاسد
يفسقون ويتهتكون ويتزندقون وينعتون أنفسهم بالظرف
وأنهم حلية الأرض ونقش الزمان.
في هذه البيئة نشأ أبو العتاهية
وكان يخالط هؤلاء الشعراء المجان
ويختلف إلى حلقات العلماء ومجالس العباد
وقد كان فقيرا فكان يعمل مع أبيه في بيع الفخار بالكوفة
وقال الشعر وبرع فيه وهو حدث، وظهر نبوغه في وقت مبكر.
ثم بعد ذلك
وفد أبو العتاهية إلى بغداد
في خلافة المهدي
(158- 169)
في نحو الثلاثين من عمره
وكانت بغداد
قد أخذت في الازدهار فانتقل النشاط العلمي
من الكوفة والبصرة إليها
بعد أن أصبحت دار الخلافة ودار الإسلام
وكان أبو العتاهية حين وصل إلى بغداد
يجتهد في الوصول إلى قصر الخلافة،
فأقبل يمدح المهدي، ويفكر في الوسائل التي تدنيه منه
هذا أول أمره
ثم أنه تاب وعاد إلى ربه عز وجل
أما سبب توبته رحمه الله
من مصاحبة المجان وقرض الشعر
في الغزل والهجاء والمديح
وقصر شعره على الزهد والحكمة
ما روي عن أبي سلمة الغنوي أنه سأل أبا العتاهية
"ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟".
فأجابه
"إذن والله أخبرك
إني لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي أهدت لي الصد والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي فكان هجرانها مكافاتي
هيَّمني حبها وصيرني أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام في تلك الليلة
كأن آتيا أتاني فقال
"ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم علينا بالمعصية إلا الله تعالى؟"
فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل
والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات
والمؤمن واه راقع
وإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِ بإحسانٍ وأنت حميدُ
ومن أعظم وأعجب قصائده الزهديه
المليئة بالحكمة
هذه القصيده
قطعت منك حبائل الآمال و حططت عن ظهر المطي رحالِ
ويئست ان أبقى لشي نلت فيك يادنيا وأن يبقى لي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي و أرحت من حلي ومن ترحالِ
ولئن يئست لرب برقة خلبٍ برقت لذي طمع وبرقة آلِ
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي وبنات ودك يعتلجن ببالِ
الآن يا دنيا عرفتك فاذهبي يا دار كل تشتت وزوالِ
و الآن صار لي الزمان مؤدبا فغدا علي وراح بالأمثالِ
و الآن أبصرت السبيل إلى الهدى و تفرغت هممي عن الأشغالِ
لقد أقام لي المشيب نعاته يفضي إلي بمفرق وقذالِ
ولقد رأيت الموت يبرق سيفه بيد المنيةِ حيث كنتُ حيالي
ولقد رأيت عرى الحياة تخرمت ولقد تصدى الوارثون لمالي
ولقد رأيت على الفناء أدلةً فيما تنكر من تصرف حالي
وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادثٍ يجرين بالأرزاق والآجالِ
و إذا تناسبت الرجال فما أرى نسبا يقاس بصالح الأعمال
و إذا بحثت عن التقي وجدته رجل يصدق قولـه بفعال
و إذا اتقى الله امرؤ وأطاعه فيداه بين مكارم ومعالي
و على التقي إذا ترسخ في التقى تاجان تاج سكينة وجلال
و الـلـيــل يـذهــب و الـنـهــار تعاوراً بـالـخـلــق فـــي الأدبـــار و الإقبالِ
و بـحـسـب مـن تـنـعــى إلـيــه نفسه مــنــه بــأيــام خــلـــت وليالِ
اضـرب بـطـرفـك حـيـث شـئــت فأنت فــي عــبــر لــهــن تـــدرك وتوالِ
يـبـلـى الـحـديـد وأنــت فــي تجديده و جـمـيــع مــا جــددت مـنــه فبالِ
يا أيها البطر الذي هو في غد في قبره متفرق الأوصال
حذف المنى عنه المشمر في الهدى و أرى مُناك طويلة الأذيال
و لقلما تلقى أغر بنفسه من لاعب قرح بها مختال
يا تاجر الغي المضر نفسه حتى متى بالغي أنت تغالي
الحمد لله الحميد بمنه خسرت ولم تربح يد البطال
ثم أخذ في وصف يوم القيامة
لله يوم تقشعر جلودهم وتشيب منه ذوائب الأطفالِ
يوم النوازل والزلازل والحوامل فيه إذ يقذفن بالأحمالِ
يوم التغابن والتباين والتنازل والأمور عظيمةِ الأهوالِ
يوم ينادى فيه كل مضلل بمقطعات النار والأغلالِ
للمتقين هناك نزل كرامةٍ علت الوجوه بنضرةٍ وجمالِ
زمرٌ أضأت للحساب وجوهها فلها بريق ندها وتلالي
وسوابق غر محجلةٌ جرت خمص البطون خفيفة الأثقالِ
من كل أثعث كان أغبر ناحلاً خلقَ الرداءِ مرقع السربالِ
حيل ابن آدم في الأمور كثيرة و الموت يقطع حيلة المحتال
نزلوا بأكرم سيد فأظلهم في دار مُلك جلالةٍ وظِلالِ
و من النعاة إلى ابن آدم نفسه حرك الخطى وطلوع كل هلال
مالي أراك لحر وجهك مخلقا أخلقت يا دنيا وجوه رجال
قست السؤال فكان أعظم قيمة من كل عارفة أتت بسؤال
كن بالسؤال أشد عقد ضنانة ممن يضن عليك بالأموال
و صن المحامد ما استطعت فإنها في الوزن ترجح بذل كل نوال
ولقد عجبت من المثمر ما له نسي المثمر زينة الإقلال
وإذا امرؤ لبس الشكوك بعزمه سلك الطريق على عقود ضلالِ
وإذا ادعت خدع الحوادث قسوةً شهدت لهن مصارعُ الأبطالِ
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا فأبدله للمتكرم المفضال
و إذا خشيت تعذرا في بلدة فاشدد يديك بعاجل الترحال
و اصبر على غِيَر الزمان فإنما فرج الشدائد مثل حل عقال